محمد بن جرير الطبري

39

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

قال أبو جعفر : وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندنا ، قراءة من قرأ : وآتينا داود زبورا بفتح الزاي على أنه اسم الكتاب الذي أوتيه داود ، كما سمى الكتاب الذي أوتيه موسى التوراة ، والذي أوتيه عيسى الإنجيل ، والذي أوتيه محمد الفرقان ، لان ذلك هو الاسم المعروف به ما أوتي داود ، وإنما تقول العرب زبور داود ، وبذلك يعرف كتابه سائر الأمم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما ) * . . يعني بذلك جل ثناؤه : إنا أوحينا إليك ، كما أوحينا إلى نوح ، وإلى رسل قد قصصناهم عليك ، ورسل لم نقصصهم عليك . فلعل قائلا أن يقول : فإذا كان ذلك معناه ، فما بال قوله : ورسلا منصوبا غير مخفوض ؟ قيل : نصب ذلك إذا لم تعد عليه إلى التي خفضت الأسماء قبله ، وكانت الأسماء قبلها وإن كانت مخفوضة ، فإنها في معنى النصب ، لان معنى الكلام : إنا أرسلناك رسولا كما أرسلنا نوحا والنبيين من بعده ، فعطفت الرسل على معنى الأسماء قبلها في الاعراب ، لانقطاعها عنها دون ألفاظها ، إذ لم يعد عليها ما خفضها ، كما قال الشاعر : لو جئت بالخبز له منشرا * والبيض مطبوخا معا والسكرا لم يرضه ذلك حتى يسكرا وقد يحتمل أن يكون نصب الرسل ، لتعلق الواو بالفعل ، بمعنى : وقصصنا رسلا عليك من قبل ، كما قال جل ثناؤه : يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ، وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي : ورسل قد قصصناهم عليك من قبل ورسل لم نقصصهم عليك فرفع ذلك إذا قرئ كذلك بعائد الذكر في قوله : قصصناهم عليك . وأما قوله : وكلم الله موسى تكليما فإنه يعني بذلك جل ثناؤه : وخاطب الله بكلامه موسى خطابا . وقد :